الشيخ عبد الغني النابلسي
169
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
ولما كان سليمان هبة لداود عليهما السلام لم يعترض عليه داود كما اعترض موسى على الخضر عليهما السلام ؛ ولهذا قال له : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [ الكهف : 67 ] ، وتقدير الكلام ، لأن علمك من علمه ، نزل لك على حسب استعدادك واستعداد قومك ، وعلمي عين علمه صعدت إليه أنا بالفناء عني وعن كل ما سواه لا هو نزل إليّ ، وصرح له بذلك فقال : وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ، وهو علم اللّه تعالى ، وهما الملكان : أحدهما النازل والآخر الصاعد كما ورد في الحديث . فالنازل يقول موسى أعلم من الخضر ، والصاعد يقول الخضر أعلم من موسى إذ ، أي لأنه كان ، أي سليمان عليه السلام هو الحاكم الحق بلا واسطة نفس منه واللّه يحكم لا معقب لحكمه . وكان سليمان عليه السلام ترجمان حق لحكم الحق تعالى بلسانه فيما حكم به فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ [ القمر : 55 ] ، وهو حضرة الثبوت العلمي مكشوفا عنه بالوجو الحقيقي . كما أن المجتهد في شريعتنا في مسألة من المسائل المصيب لحكم اللّه تعالى الذي يحكم به اللّه سبحانه في تلك المسألة لو تولاها ، أي تلك المسألة فحكم بها اللّه تعالى بنفسه من غير واسطة أحد وبما يوحى به من الشريعة لرسول من رسله عليهم السلام كان له ، أي لذلك المجتهد على حكمه المذكور في تلك المسألة أجران : أجر على اجتهاده وأجر على إصابته الحق والمخطىء في اجتهاده لهذا الحكم المعين الذي يحكم به اللّه لو حكم بلا واسطة ويحكم به رسوله بالوحي عنه له أجر واحد على اجتهاده فقط كما ورد في الحديث : « من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد » مع كونه ، أي مما حكم به المجتهد في الصواب والخطأ علما وحكما فهو في الصواب حكم وفي الخطأ علم ، وإن لم يشعر بذلك لاستعماله العقل والفكر في اجتهاده ، فهو على غير بصيرة ، وإن أعطاه اللّه تعالى الأجر فليسوا من ورثة الأنبياء إلا من حيث كونهم حاملين لعلوم العقل من الكتاب والسنة ، لا من حيث علومهم التي استنبطوها ، وإن أقرهم عليها الشارع ، لأن علوم الأنبياء عليهم السلام ليست اجتهادية ظنية كعلوم المجتهدين ولا تحتمل الخطأ أصلا ، وإنما ورثتهم من كل وجه أهل الباطن المحققون . قال تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ يوسف : 108 ] الآية . وإن كانت هذه العلوم الباطنية اللدنية حاصلة للمجتهدين أيضا مع علوم اجتهادهم ، فإنهم ورثة الأنبياء من تلك الحيثية لا من حيث علوم الاجتهاد ، وهذا مرادنا بالمجتهد من حيث ما هو مجتهد لا من حيث ما هو عارف صاحب كشف وبصيرة إن كان كذلك . * * *